ماكاد الفتى القادم من الديار البعيدة الى حى {بنى سعد}يبحث عن عمته,بعد ان تقطعت به الاسباب ,وهلك الاهل ,فى حروب طويلة بين القبائل بعضهاوبعض,وبين القبائل,{ومحمد} ولم يبقى الاهو وعمته,بعد ان علم بفقد ولدها فى اخر معركة اشتركت فيها{بنو سعد}الى جانب هوزان ضد {محمدبن عبد الله}هرج ومرج يسود الحى,اناسيجرون شمالا ,واخرون يجرون يمينا,همهمات هنا ,واصوات هناك,ولا يجمع بين الناس الا الشك,والقلق,والحيرة,والاضطراب,والخوف القاتل الرهيب,ما الذى افزع الناس الى هذه الدرجه ,اهى ريح صفراء,تبدر بواردها,وتقدم تثير الفزع فى نفوس الناس ,حتى بدت حركتهم عشوائيةبلا شكل وبلا هدف ,وكلما اقترب الفتى من جماعة لم يتبين شيئا,وفهم انهم يبحثون عن رجل منهم له مكانته,وقدره ,يبحثون عن {ضمام بن ثعلبه} ترى ماذا يريدون منه ,يسمع الفتى عن {ضمام بن ثعلبه}وقدره على التبصرة,ويعرف كما لجأ اليه الناس يطلبون الرأى,والمشورة,ويبغون العون والمساعدة,ويسمع عن بنى سعد فى غمرة الاحداث ,لم يكونوا بهذه اللهفة,ولا بهذه الحيرة.فكم مر بهم من خطوب ,وكم فجعتهم كوارث,لكنهم كانوا ارسخ قدما,وأثبت جنابا مما هم عليه الان,وبداء الشك يتسرب الى نفس الفتى ,واخذت الحيرة تعرف طريقها الى قلبه, واحتوته الجموع ,فوجد نفسه يجرى فى داخلها الى حيث تجرى,وصعد الناس تلا على مشارف الحى. وهناك ألفوا ضام بن ثعلبة,ينتجع مكانا هادئا بعيدا عن الضجيج والغبار المثار,يجلس مستندا الى صخرة,يحدق فى الافق البعيد فى صمت , وسكون وتأمين ,وجعل الناس يتوافدون عليه, وكلما يقتربون منه تخف الحركة, وبهدأ الضجيج ,واكتمل عنده جمع غفير,وخلق كثير,وهو ثابت ثبوت الجبال دون أن تزيغ منه نظرة واحدة تجاه القوم,وقطع الصمت رجل ذو لحية بيضاء.. انحنى ظهره او كاد :يا ضمام .. الا بالله استجبت لهذه الجموع ؟ فوالله ما يقدر على هذا الامر سواك. وان بنى سعد كلها لتسلم اليك الزمام والقيادة,بعد أن هرب من كنا نملكهمأمورنا, أثر هذيمة هوازن وثقيف أمام {محمد}لم يبقى الا انت . ولن يعترض احد على قرار تتخذه طالما ارتأيت فيه مصلحة أهلك.وعشيرتك وقبيلتك,وفى وقار صارم تلفت {ضمام} وفى نظرة عميقة حدجه بها,وفى رنة صوت واثقة,لقد تغير الناس أبا عبد المعزى,لكنك لم تتغير يا ضمام ,وهل يقدر الناس على حكمى ان استجبت لهم,ومنذ متى خرج القوم على حكمك,وانت أثير لدى الجميع,وهم يقدرون مكارمك التى لا تحصى ,فى الحرب أو فى السلم,فى السراء أو فى الضراء,وفى الامن أو فى الخوف على السواء,واذن فليقولوها ..ليعلنوا رضاهم بقسمى لهم ,واختيارى بشانهم ,وحكمى فى امرهم,{أوتشك فى هذا يا ضمام}؟لقد انخلعت بنو سعد من جذورها اليك. أولا تعنى هذه المظاهرة لك شى,وماذا ترى فى حياتنا فى هذا الزمن الشك والخوف ,والحيرة والقلق,وماذا دفع بهذه الجموع اليك الان غير الرعب الذى استولى على كل كيانهم,تريد هذه الجموع ان تعيش حياة هادئة,فيها الامن ,امان,وتتخلص فيها من صخب هذه العيشة وضجيجها,وظلامها الذى طال امده,ودمائها التى روث ثرى الصحراء بلا سبب معقول ,وماذا تريد منى هذه الجموع,وقد تنفس {ابوالعزى } الصعداء,لقد اصبحت الحز يا ضمام,تريد هذه الجموع ان تذهب الى {محمد} وتعقد معه اتفاقا يضمن الامن بين ربوعها وعلى ارضها,{وفى تهكم} وعند اللزوم تنضم هذه الجموع الى فريق يحارب{محمد} وتدخل فى دوامة حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل ,كأنك يا ضمام تحمل على قومك أن خلفوك بانضمامهم الى هوازن وثقيف فى حربها محمد؟ وما يدريك يا ابا عبد العزى انهم يخالفونى أذا ذهبت الى {محمد}وعقدت معه اتفاقا,لقد غدر بى قومى,وكان يمكن الا يحدث لهم ما حدث لو انهم عقلوا موقفى,واحسوا حدبى عليهم,ياضمام.لكل جواد كبوه,ولكل أصيل هفوة.لا تقل اذن وهفوه ,فهذه تبريرات لا سند لها,ولا اساس ,وساد فترة صمت كانت على الجموع دهرا من المرار والخوف ,وقف الجميع تترقب الرد .. شقت الناس امراة فى اتجاه ضمام,وعلا صوتها متوسلة فقطع الصمت المطبق رغم ضعف جسدها ,ووهن قوتها ,وتقدم سنها,ودون ان تراه أو تحس به,اندفعت ناحية ضمام قائلة: بأبى أنت وامى. هلا استجيت يا ضمام, انها رغبة كل ام ثكلت كل من ولدت.ورغبتى وقد ثكلت أخر ابنائى.ورغبة ام لا تحب ان تثكل ولدها فى حرب قادمة,ورن الصوت فى أذن ضمام فاعتدل فى مجلسه,وتلقى صاحبته,وهش لها, وان كانت بشاشته احتجبت خلف صرامه فلم يبد منها غير القليل , وبسط ضمام جانيا من عباءته التى تدلت من فوق كتفه يجلس عليها القادمة ... اقبلى {ام همام} فدتك نفسى
www.alhnuf.com