دخلوا مسج رسول الله , وتعمدوا الخشونة, ربحا رطبة تستقبلهم فى شدة حر الصيف, واندفعوا بأقدام حافية يضربون الارض فى هلع وكأن شيئا ما يطاردهم, ونادوا رسول الله من وراء حجراته, نادوه فى جفاء وغلظة, ودعوه فى صياح يصم الأذان , وجلبة لا تطاق , أن اخرج الينا يا {محمد} وان كان ذلك أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأذى اصحابه من حوله الا ان {محمد} لم يتأخر عليهم , وما كان ليتاخر وهو يصدع عن امر ربه, وما كان ليتأخر وهو القائل : امرت ان اخاطب الناس على قدر عقولهم: وما كان ليتاخر وهو القائل{ انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق } ولانهم تصرفوا بما لا يليق بمقام النبوه, وبأدب الرسول . فقد نزلت فى هذا سورة الحجرات, وفى بدايتها درس شديد للذين جاوزوا حدود اللياقة فى مخاطبة صاحب الرسالة كما ان فيها تعليم , وتوجيه لمن وراءهم من المسلمين,راجع صورة الحجرات من الايه1.4 ونظروا الى {محمد} وهو يخرج عليهم ,اخذتهم جميعا بساطيه, واستولى عليهم وقاره,وتوقير اصحابه له,يلتفون حوله, دون ان يتقدم احد منهم عليه,هزتهم رجفة: اهذا {محمد اليتيم} لم يعد يتيما كما تصوروا , اهذا {محمد الفقير} لم يعد فقيرا كما زعموا,فيه غنى لم يعهدوه من قبل , ولم يسمعوا عنه فى زمن من الازمان ,غنى ليست له مظاهر مادية,ليست له نظاهر الغنى المعهود,غنى لايدرك بالبصر, وانما يدرك بالبصيرة, غنى أروع من اى غنى فى الوجود..وان لم يصلوا بعد الى كنهه الا انهم ادركوا بعض معالمه, هذا {محمد} وحوله اصحابه, تدب فيهم روح تجعلهم كالبنيان المرصوص , فيهم صلابة ولهم مضاء وعزم لا يلين,انبهروا .. فلم يستطيع واحد منهم ان يوجه اليه كلمة. قالوا معا. زهم يتساندون على بعضهم البعض , يا {محمد} جئناك نفاخرك,وجئنا معنا بخطيبنا,كما جئنا بشاعرنا, فأذن لهما , فقال {محمد} صلى الله عليه وسلم ,{ قد اذنت لخطيبكم .. فليقل ما عنده : فقام {عطارد بن حاجب بن زرارة, وهو يعلج نفسه معالجة, وحاول ان يواجه {محمدا} يريد ان يقول شى ما كان قد استحضره طوال الرحلة,لكن اين ما كان قد استحضره من فن القول , من بلاغة الكم, من الصفات , والاوصاف فى مدح قومه, والفخر بهم ,وثلب محمد واصحابه يلقى بها على محمد واصحابه,قال { الحمد لله} نطقها لسانه, ونفسه تهمس اليه بعكس ما نطق به. الحمد لله الذى له علينا الفضل والمن وهو اهله.الذى جعلنا ملوكا,ووهب لنا اموالا عظاما نفعل فيها المعروف , وجعلنا اعز اهل الشرق واكثره عداد, وأيسره عدة, فمن مثلنا فى الناس ؟ السنا برؤس الناس واولى فضلهم.فمن فاخر فليعدد مثل ما عددنا, وانا لو نشاء لاكثرنا الكلام, ولكنا نحيا من الاكثارفيما اعطانا, وانا نعرف بذلك,واقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا, وامر افضل من أمرنا, ثم سكت وجلس ؟ سكت القوم من بنى تميم ,وهم ينظرون الى خطيبهم نظرة غامضة, لا تعبر عن استهجان ولا استحسان , وان كانوا فى اعماقهم يشعرون بأن خطيبهم لم يشف غليلهم,فى التفاخر على {محمد} وخيب ظنهم لم يأت بما كانوا يتوقعون.وفى جلال ,ووقار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن اختاره خطيبا يرد على خطيب بنى تميم,قال {لثابت بن قيس الشماسى } اخى بن الحارث بن الخزرج ,كلمة هادئة هادية ,كلمة نورانية: قم فأجب الرجل فى خطبته,
www.alhnuf.com