[ تاريخ طرح هذا الموضوع هو : 07-29-2005 ]
((كل منا يحمل وهما اسمه الحب الأول))
احسان عبد القدوس
عندما اعود بذاكرتي لطفولتي تأتي الذاكرة على صور فلاشات تكون كلها صور معتمة لا نور فيها واضح ولامع
لا يبقى من تلك الصور المعتمة الا صورة لطفلة صغيرة لا اذكر جل ملامحها واسم كان يصلح ان يكون اسم حبيبه
هذه الطفلة كنا نلعب سويا نتراشق بالحجارة نذهب الى الغدران والى بساتين النخيل واشجار الليمون القريبة من بيوتنا
اذكرها عندما تاتي الى بيتنا ببعض اللبن والاكل , واذكرها جيدا عندما ازورها واجدها مستلقية على احد ركبتي امها , وعندما تراني تصطحبني بعيدا لكي نلعب سويا
لم يكن لي صديق العب معه الا هي والا اجمل من صداقة الفتايات
كانت كزهرة غنائة عيناها جميلتان كعينا ظبي , تسحرك عندما تراها ولا تزال العينان واقفتان امام عيناي الى هذا العمر
اتى ابي من بعيدا الى قريتنا
وتذكرت انه ابي لانني لا اراه في السنة الا مرات قليله
لا اذكر شي الان فالذاكرة لا تقوى على التذكر
ما اذكره فقط اننا ركبنا السيارة , وامي كانت تبكي عتدما تودع ذالك العجوزان اللذان ربيانا عندهما
اسمع اصوات نحيب من اماكن عدة ولم اكن استطيع ان احددها
انطلقت السيارة بنا الى....... عالم غريب ومجهول
لم احزن الا على تللك الفتاة التي لم اراها لكي اودعها لكي اراها في وقت اخر
عشت حياتي مع اهلي وكل عام انتقل من مرحلة الى مرحلة , حتى اتى عام اراد ابي ان نقضي العيد في القرية لنعايد ذالك العجوزان
كان عمري وقتها خمس عشرة سنة , وفرحت فرحا كبيرا لكي اراى تلك الطفلة
كيف هي الان ؟ كيف اصبح شكلها ؟؟ هل زاد طولها ؟؟ وهل لا تزال تذكرني؟؟؟
اسئلة كثيرة كانت تشغل تفكيري , ولا بد من اجوبة عليها
لبست افضل ملابسي وهل هناك اجمل من ملابس العيد
وصلنا الى بيتنا في القرية , سلمت على الجد والجده , وانطلقت مسرعا الى دارهم , كان المكان خالي والحضيرة فارغة من الاغنام , درت البيت عدة مرات ولكن لم يكن هناك احد ,
رجعت الى جدي وقلت عاتبا له: جدي اين هؤلاء الجيران؟؟ لماذا لا ارى احدا فيهم هناك؟؟ قال جدي: لقد رحلوا قبل خمس سنوات ولم يسكن احدا هذا الدار بعدهم, قلت له بحزن واضح : حتى الطفلة رحلت معهم يا جدي , رد علي مستغربا: حتى الطفلة يابني
اصابني حزن شديد على فقدهم وبالذات تلك الطفلة
هل انا احببت الطفلة تلك ؟ ام احببت تلك الذاكرة والطفولة لا اكثر
لم اخرج في ذلك اليوم مع انه يوم عيد , ولم احب العيد منذ ذلك الوقت ولم افرح به ولم اعد احب ملابسه ايضا
وصرت متضامنا مع المتنبي عندما قال:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد
مرت السنون وذكرى تلك الطفلة يأتي ويذهب
كبرت مع الزمن , ودرست واجتهدت حتى تخرجت , ثم تم تعييني وعملت في عملي بفرح
وعندما كنت عائدا ذات يوم من عملي الى المنزل , وقع لي حادث اليم اصبت من جرأ ذلك الحادث ونقلت الى اقرب مستشفى, اصبت بحالة غيبوبة , كم يوم جلست لا ادري ؟؟
عندما افقت من الغيبوبة كانت امي جالسة امامي تبكي كعادتها, راتني فقبلتني ونادت بصوت عالي بفرح لابي واخواني بانني فقت
كان صوتها رقيقا حنونا اردت ان ابكي لبكاء امي لكنني لم استطع.
انتهت الزيارة واقفل الباب علي وبقيت وحيدا كعادتي
جلست في المستشفى شهر ا كاملا , في اليوم الاخير كانت امي جالسة بجانبي , اتى ابي حزينا , واخبرنا بأن ابنة جارنا الذين رحلو من القرية قد ضربها زوجها ضربا غليظا وهي الان في المستشفى في حالة خطيرة
صابني الخبر كالصاعقة وكأن القلب هو الذي انصاب , اردت ان اذهب لطمئن عليها ولكنني ممنوع من التحرك
بعد عدة ساعات جاءنا خير بأنها ماتت...........................
بكيت وانا ملقى على السرير بكاء حارا
بكيت لان الطفلة اللي كنت العب معها قد ماتت.......
بكيت لامرأة تموت بدون ذنب الا لان زوجها همجي تافه.........
بكيت لبكاء من حولي ....................
بكيت لحب ضاع بدون كلمة بدون نظرات بدون عتب ...........
بكيت لانني واعدت نفسي ان اودع تلك الطفلة يوما ولكنني لم استطع من وداعها لانها ماتت.........
لكنها كانت اشجع واقوى مني فودعتني الوداع الاخير........
و عشت حياتي وحيدا
الان,,, هل انا احببت تلك المرأة التي ماتت , هل عشت حياتي لكي اخبرها بأنني احبها , وهل كان كل ذلك البكاء لاجلها وانني كنت مشتاق لها.
لا لا لا
لا ,, انا لم احب تلك المرأة التي ماتت , بل احببت تلك الطفلة الصغيرة التي كنت العب معها فقط.
توقيع:
شخص لم يعرف الحب الأول
